[المشاعر المقدسة 1/3]: تحديات حفر الأنفاق في التضاريس الجبلية - دروس ميدانية من واقع العمل

مخطط هندسي يوضح تداخل العقود والتقنيات الإنشائية في مشاريع تطوير سيول المشاعر المقدسة
مقدمة :

تعتبر مشاريع البنية التحتية في المشاعر المقدسة (منى ومزدلفة) نموذجاً فريداً للتحدي الهندسي على مستوى العالم. بدأت رحلتي مع هذه التضاريس الجبلية منذ عام 2007، حيث كانت البدايات الأولى تفرض تحديات مضاعفة لعدم توفر البنية التحتية الحالية، مما دفعنا لابتكار حلول هندسية ميدانية من واقع العمل.

لا يقتصر التحدي على وعورة التضاريس الجبلية فحسب، بل يمتد ليشمل خصوصية المكان، الكثافة البشرية العالية، والحاجة الملحة لتنفيذ منظومة حماية من السيول تعمل بكفاءة تامة لحماية ضيوف الرحمن. لم يكن العمل مجرد تنفيذ إنشائي تقليدي، بل كان مشروعاً استراتيجياً متكاملاً (Rush Project) نُفذ ضمن حزمة مشاريع مستعجلة، تكوّنت من 5 عقود رئيسية متوازية، تضافرت لتشكيل هذا الحصن المنيع.

إن هذا المشروع ليس عملاً منفرداً، بل هو حلقة في سلسلة مراحل التطوير المستمرة التي تشهدها المشاعر المقدسة عاماً بعد عام، تنفيذاً للرؤية السامية في خدمة ضيوف الرحمن والحفاظ على سلامتهم وتيسير مناسكهم. في هذا المقال، أشارككم خلاصة هذه التجربة العملية، حيث تشرفت بالعمل كاستشاري ميداني (مع شركة دار الهندسة للتصميم والاستشارات الفنية - شاعر ومشاركوه) للتنسيق بين هذه العقود الخمسة لضمان تكاملها ونجاحها.

الهيكل الإداري والتعاقدي للمشروع

                                                     

الجهة

الدور في المشروع

وزارة الشؤون البلدية والقروية

المالك والمشرف العام

شركة دار الهندسة للتصميم و الاستشارات الفنية شاعر و مشاركوه

الاستشاري المشرف (إدارة التنسيق البيني)

مجموعة بن لادن

مقاول رئيسي (الأنفاق والسدود)

شركة الحربي

مقاول رئيسي (القنوات الجبلية)

الشركة المتقدمة وشركة سبك

مقاولون (العبارات الخرسانية)

شركة ريو

مقاول باطن (أعمال تكسير الصخور)

فلسفة العقود الخمسة: إدارة التداخلات

كان المشروع عبارة عن منظومة متكاملة من التحالفات الهندسية، حيث تم توزيع المسؤوليات التنفيذية لضمان كفاءة الأداء:

  • عقود الأنفاق والسدود (مجموعة بن لادن - قسم الأنفاق وقسم السدود): تولت مسؤولية تشكيل الجسد الأساسي للمشروع، بهدف صد سيول الأمطار وتوجيه مساراتها في اتجاهات مدروسة.

  • عقود القنوات الجبلية والشيتوكريت (شركة الحربي، بمشاركة "ريو" كمقاول باطن لأعمال تكسير الصخور): ركزت على حماية السفوح من الانجرافات وتوجيه السيول نحو القنوات المفتوحة.

  • عقود العبارات الخرسانية (الشركة المتقدمة وشركة سبك): تخصصت في تأمين مسارات المياه تحت الأرض لضمان انسيابية الحركة المرورية فوقها.

التحدي كاستشاري كان في "التنسيق البيني"؛ حيث كان يجب أن نربط الأعمال الصخرية التي نفذتها "ريو" تحت إدارة "الحربي" بدقة مع القنوات التي تم إنشاؤها، وصولاً إلى السدود الخرسانية و الأنفاق والعبارات التي أنشأتها الفرق الأخرى. كل عقد كان يمثل قطعة في "بازل" هندسي عملاق، وأي خلل في الميول أو التنسيق بين المقاول الرئيسي ومقاول الباطن كان سيعني تأثيراً مباشراً على الجدول الزمني للمشروع بأكمله.

مخطط هندسي يوضح التنسيق بين العقود الخمسة والتقنيات الإنشائية في مشاريع تطوير سيول المشاعر المقدسة







التخطيط الاستباقي: الجسات الأرضية و"شرايين الخدمات"

في بيئة المشاعر المقدسة المكتظة، إجراء الجسات الأرضية (Soil Investigation) كان عملية مسح دقيقة لتحديد مسارات "شرايين الخدمات". لقد اعتمدنا خرائط تحت سطحية دقيقة لتجنب أي تعارض، فخطأ في مسار عبارة خرسانية كان سيعني تعطيلاً لسلسلة التوريد الهيدروليكي للمشروع بأكمله.

تقنيات الحفر: المعادلة الصعبة بين القوة والأمان

حفر الأنفاق وتكسير الصخور الصلبة تطلب دمجاً ذكياً للتقنيات:
  •  الحفر بالمتفجرات (Controlled Blasting): تم تحت إشراف أمني وطبي صارم لضمان أن تكون الاهتزازات ضمن النطاق الآمن للمنشآت المجاورة.
  • الحفر الميكانيكي: اعتمدنا عليه في المناطق الحساسة لضبط الأبعاد بدقة.
  • أنظمة التهوية: صممنا أنظمة تهوية قوية قادرة على طرد الغبار وتوفير بيئة عمل آمنة، وهو شرط أساسي لضمان سلامة الكوادر البشرية.

إدارة السلامة (HSE): مسؤولية لا تقبل القسمة

بصفتي استشارياً، كانت معايير السلامة المهنية (HSE) هي البوصلة اليومية. العمل في بيئة جبلية يتضمن مخاطر الانزلاقات الصخرية، وسقوط المعدات، والعمل في مساحات ضيقة. لقد فرضنا نظاماً صارماً يشمل الفحص اليومي لاستقرار الصخور بعد التفجير، والتأكد من كفاءة التجهيزات الوقائية، والإخلاء الفوري للمناطق التي تظهر فيها مؤشرات عدم استقرار جيولوجي. هذا الالتزام لم يحمِ الأرواح فحسب، بل ضمن استمرارية العمل، مما كان عاملاً حاسماً في الالتزام بالجدول الزمني.

تحدي الـ 10 أشهر: دروس في الإدارة الميدانية

إنجاز منظومة بهذا الحجم في 10 أشهر يتطلب "انضباطاً عسكرياً". تعلمت خلال هذه الفترة أن السرعة دون تنسيق هندسي بين المقاولين تؤدي إلى هدر الموارد. كان دورنا كاستشاريين هو التأكد من أن جودة الخرسانة المصبوبة في العبارات تتوافق مع ميول القنوات الجبلية التي تنتهي في جوف الأنفاق. لقد كان التحدي الحقيقي هو إنهاء هذا الحجم من الأعمال الإنشائية في هذا الإطار الزمني الضيق مع الحفاظ على أعلى معايير الجودة.

رؤية خبير: الإدارة المتكاملة للمشاريع

النجاح في مشاريع البنية التحتية الوطنية ليس مجرد صب خرسانة، بل "إدارة للثقة". الفلسفة التي عملنا بها تقوم على أن "كل متر مكعب يتم حفره أو صبه يجب أن يخدم هدف الحماية الدائمة". إن هذا التنسيق بين العقود أثبت أن التكامل بين التصميم الجيد، والمنفذ الميداني المخلص، والتنسيق الاستشاري الحازم هو الضمانة الوحيدة لإنجاح المشاريع الكبرى.

شاركنا تجربتك: هل عملت سابقاً في مشاريع ضخمة تتضمن تداخلات بين عدة مقاولين؟ ما هو أكبر تحدٍ واجهته في التنسيق الميداني؟

ننتظر نقاشاتكم في التعليقات، وترقبوا المقال الثاني من هذه السلسلة: "الحماية الهيدروليكية"؛ حيث سنشرح بالتفصيل تقنيات الشيتوكريت، الجابيوم، والخرسانة الكتلية (Mass Concrete) بحص 5 إنش.

تحيات،

المهندس محمد الشاعر 

استشاري إشراف هندسي وخبير إدارة مشاريع


تعليقات